محمد جمال الدين القاسمي

196

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

روي أن أحدهم فتح متاعه ليأخذ علفا لدابته ، فرأى فضته في فم متاعه فقال لإخوته : قد ردّت دراهمي وها هي في متاعي ثم لما وصلوا كنعان ، وأخذوا يفرغون أوعيتهم ، وجد كل واحد منهم صرة دراهمه في وعائه ، فاستطارت قلوبهم ، ودهشوا ، وحمدوا عناية اللّه بهم . قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي أي ماذا نبتغي وراء ذلك ؟ هل من زيادة ؟ أي : لا مزيد على ما فعل ، لأنه أكرمنا ، وأحسن مثوانا ، بإنزالنا عنده ، وردّ الثمن علينا . والقصد إلى استنزاله عن رأيه . أو : لا نبغي في القول ولا نكذب فيما حكينا لك ، من إحسانه الداعي إلى امتثال أمره . أو : ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيزنا مع أخينا وقرئ على الخطاب . أي : أيّ شيء تطلب وراء هذا من الدليل على صدقنا ؟ هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ اللطف غايته ، كأنهم قالوا : كيف لا ، وهذه بضاعتنا ردت إلينا تفضلا من حيث لا ندري ؟ وَنَمِيرُ أَهْلَنا معطوف على مقدر مفهوم . أي : فنستظهر بها ، ونمير أهلنا إذا رجعنا إلى الملك : أي : نأتيهم بميرة ، أي بطعام . يقال : ( ماره ) أتاه بطعام ومنه : ( ما عنده خير ولا مير ) . وَنَحْفَظُ أَخانا أي : فلا يصيبه شيء مما تخافه وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي باستصحابه ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أي سهل على هذا الملك المحسن لسخائه ، فلا يضايقنا فيه . أو المعنى قصير المدة ، ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير أو المعنى : ذلك الذي يكال لنا دون أخينا شيء يسير قليل ، فابعث أخانا معنا حتى نتسع ونتكثر بمكيله . . وقال ابن كثير : هذا من تمام الكلام وتحسينه . أي : إن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم لا يعدل هذا . فلا يكون من كلامهم ، والجملة محتملة للكل . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 66 ] قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 66 ) قالَ أي لهم أبوهم لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ أي بهذه المقالة حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً